
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
لم يعد السؤال المركزي في عصرنا الرقمي هو “ماذا تعرف؟” أو “ماذا أنجزت؟”، بل أصبح “كم شخصاً يراك؟”. إن ظاهرة “المؤثرين” (Influencers) ليست مجرد نتاج لتطور وسائل التواصل الاجتماعي، بل هي عرض لمرض حضاري أعمق يمكن تسميته بـ “تسليع الوجود الإنساني”. في هذا السياق، لم تعد القيمة مستمدة من العمل التراكمي أو المعرفة الرصينة، بل من القدرة على إثارة الانتباه اللحظي، ولو عبر تسويق التفاهة.
اقتصاد الانتباه وسقوط المعايير
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود أشخاص مشهورين بلا موهبة، فهذا وجد عبر التاريخ، ولكن الكارثة تكمن في تحول هؤلاء إلى “نظام مرجعي” للجيل الجديد. عندما يرى الشاب أن “اللا شيء” يدر دخلاً يفوق دخل الطبيب أو المهندس أو المفكر، يحدث خلل في “سلم القيم” (Scale of Values) داخل المجتمع. هذا الخلل يضرب مفهوم “الكدح” و”الصبر على التعلم” في مقتل، ويستبدله بثقافة “الضربة السريعة” والربح السهل.
إن الحضارة التي ترفع من شأن المهرج وتهمل الحكيم، هي حضارة تستقيل من التاريخ وتتجه نحو الانتحار البطيء.
من الإنسان إلى “المنتج”
في تحليلنا للبنية النفسية للمؤثر، نجد أنه يقع ضحية لعملية “تشييء” (Reification) مرعبة. هو ليس حراً كما يدعي، بل هو عبد للخوارزميات. حياته الخاصة، خصوصياته، وحتى أطفاله، يتحولون إلى “محتوى” قابل للبيع. وهنا نرى ذروة الرأسمالية المتوحشة التي لم تكتفِ بتسليع الأشياء، بل سلّعت الإنسان نفسه. إن المؤثر يبيع “الذات” مقابل “اللايك”، مما يؤدي إلى اغتراب نفسي عميق، حيث يصبح عاجزاً عن التمييز بين “صورته الرقمية” و”حقيقته الإنسانية”.
- استبدال “القيمة” بـ “الرقم”: حيث يصبح العدد هو معيار الحق والباطل.
- تآكل الخصوصية: تحويل الحياة اليومية إلى عرض مسرحي دائم.
- صناعة القدوة المشوهة: تعزيز النرجسية كطريق للنجاح الاجتماعي.
ختاماً، إن مواجهة هذا الطوفان لا تكون بالمنع، بل بإعادة الاعتبار لقيم “الإنجاز الحقيقي” وربط المكانة الاجتماعية بما يقدمه الفرد من نفع حقيقي ومتعدٍ، وليس بما يحدثه من ضجيج.

















