
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
ما وراء “قوارب الموت”: الإنسان كأداة وظيفية
غالباً ما يقع الخطاب الإعلامي السائد في فخ التناول العاطفي لظاهرة الهجرة، مركزاً على مآسي الغرقى والحدود المغلقة. لكن من منظور حضاري تحليلي، يجب أن نتجاوز “دراما الصورة” لنفهم “ديناميكية القوة”. إن الهجرة في عالمنا المعاصر لم تعد مجرد انتقال عفوي للبحث عن الرزق، بل تحولت إلى سلاح جيوسياسي مزدوج الحد.
في الشق الأول، نجد ما يمكن تسميته بـ “الاستعمار الديموغي الناعم”. فالدول الصناعية الكبرى، التي تعاني من شيخوخة سكانية تهدد منظوماتها التقاعدية والإنتاجية، تمارس انتقائية براغماتية بحتة. هي لا تريد “الإنسان” ببعده الثقافي والاجتماعي، بل تريد “اليد العاملة” أو “العقل المبدع” كسلعة جاهزة، مما يؤدي إلى تفريغ دول الجنوب من نخبها (نزيف العقول)، وهو شكل من أشكال الاستلحاق الحضاري حيث تدفع الدول الفقيرة تكلفة تنشئة الفرد، وتقطف الدول الغنية ثمرة إنتاجه.
إن المهاجر في المنظور المادي الحديث يتم “تشييؤه” ليصبح رقماً في معادلة اقتصادية، مُرحباً به كمنتج، ومرفوضاً كحامل لهوية مغايرة.
صراع الهويات وتوظيف الأزمات
على الجانب الآخر، نرى توظيفاً سياسياً فجاً لكتل البشر اللاجئين كأوراق ضغط بين الدول، حيث يتم فتح الحدود أو إغلاقها لابتزاز المواقف السياسية أو المساعدات المالية. وبالتالي:
- تتحول المخيمات إلى “مستودعات بشرية” تنتظر الصفقات السياسية.
- يستخدم اليمين المتطرف في الغرب “فزاعة المهاجر” لتعزيز التماسك الداخلي عبر صناعة “عدو بديل”.
- تذوب كرامة الإنسان التكريمية (ولقد كرمنا بني آدم) تحت وطأة الحسابات البراغماتية.
إن الحل الجذري لا يكمن في “الاندماج القسري” الذي يطالب المهاجر بخلع جلده الحضاري، ولا في “الانعزال” الذي يخلق غيتوهات، بل في تفكيك منظومة الهيمنة العالمية التي تفقر الجنوب وتجبر أهله على الرحيل، ثم تلومهم إذا طرقوا أبواب الشمال.

















