
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
في التراث الإنساني عامة، والإسلامي خاصة، تحتل قيمة “الستر” مكانة مركزية. الستر ليس مجرد تغطية للجسد، بل هو صيانة لكرامة الإنسان، وحفظ لحرمة حياته الخاصة، وإبقاء مساحة مقدسة بين العبد وربه، وبين الفرد ومجتمعه. لكننا اليوم نعيش في عصر “الشفافية الرقمية” القسرية، أو ما يسمى بـ “مجتمع المراقبة”، حيث أصبح المكشوف هو الأصل، والمستور هو المستهجن.
من المنزل إلى “بيت من زجاج”
لقد نجحت شركات التكنولوجيا العملاقة في إقناعنا بأن “المشاركة” (Sharing) هي قيمة مطلقة. لكن الحقيقة هي أن هذه المشاركة هي وقود لاقتصاد البيانات. لقد تحولت بيوتنا وعلاقاتنا ومشاعرنا إلى بيانات تباع وتشترى. لقد سقطت الجدران، ليس ليدخل النور، بل لتدخل أعين المتلصصين والمعلنين وأجهزة الرقابة. هذا الانكشاف الدائم يضع الإنسان تحت ضغط نفسي هائل؛ فهو مضطر للتمثيل طوال الوقت لأنه “تحت النظر”.
استباحة الإنسان باسم التواصل
قيمة “الستر” تحمي الإنسان من التبعات الاجتماعية لزلاته، وتعطيه فرصة لإصلاح نفسه بعيداً عن وصم المجتمع. أما في العصر الرقمي، فالإنترنت “لا ينسى ولا يغفر”. خطأ واحد قد يتحول إلى فضيحة أبدية تدمر مستقبل الإنسان. هذه “الاستباحة” تتنافى مع الفطرة السليمة التي تميل إلى الخصوصية.
إن حق الإنسان في أن يكون “مجهولاً” في بعض جوانب حياته، هو جزء من حريته. الشفافية المطلقة هي سجن مطلق.
من منظور حضاري، يجب إعادة الاعتبار لمفهوم “الحرمة”:
- حرمة البيت: التي لا يجوز اختراقها بالكاميرات والبث المباشر.
- حرمة الجسد: التي لا يجوز تسليعها من أجل الإعجابات.
- حرمة البيانات: التي هي امتداد للشخصية القانونية والاعتبارية للفرد.
الستر جمال، والستر أمان، والعودة إليه هي عودة للكرامة الآدمية في مواجهة الابتذال الرقمي.

















