
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
أسطورة “حياد العلم”
من أكثر الأوهام رسوخاً في العقلية المعاصرة فكرة “حياد العلم”، وكأن المعرفة تنشأ في فراغ منفصل عن موازين القوى. لكن قراءة تاريخية واعية تكشف أن العلم، في كثير من محطاته، كان خادماً مطيعاً للإمبراطورية. فكما كانت الكشوف الجغرافية مقدمة للاستعمار العسكري، فإن “الكشوف المعرفية” اليوم هي مقدمة للاستلحاق الحضاري.
إن تمويل الأبحاث، وتحديد أولويات العلم، وصياغة المصطلحات، كلها تخضع لرؤية الممول (المركز الغربي). نحن نرى كيف تُضخ المليارات في أبحاث الترفيه والأسلحة والذكاء الاصطناعي الذي يخدم الشركات العابرة للقارات، بينما يتم تجاهل أمراض المناطق الحارة أو تقنيات الزراعة التي تناسب الدول الفقيرة. هذا ليس صدفة، بل هو “تحيز معرفي” هيكلي.
الاستشراق الجديد: احتكار الحقيقة
الأخطر من ذلك هو احتكار معايير “العلمية”. فالنموذج الغربي فرض نفسه كمرجعية وحيدة للحقيقة، هامشاً بذلك كل المعارف التراثية والحكم المحلية للشعوب الأخرى، واصفاً إياها بـ “الفلكلور” أو “الخرافة”. هذا الإقصاء الممنهج:
- يجعل الباحث في دولنا “ناقلاً” وشرحاً للمتن الغربي، لا منتجاً للمعرفة.
- يخلق حالة من “التبعية الابستمولوجية” (المعرفية) التي هي أشد خطراً من التبعية الاقتصادية.
حين يدرس الطالب عندنا علم النفس أو الاجتماع بنظريات نشأت في بيئة مغايرة تماماً لبيئته وقيمه، فإنه ينفصل شعورياً عن واقعه، ويصبح عقلاً مهاجراً وهو في وطنه.
وبالتالي، فإن التحدي الحضاري لا يكمن في “استيراد العلم” كما نستورد السيارات، بل في “توطين العلم” وإعادة صياغة فلسفته لخدمة مقاصدنا وقيمنا، وفك الارتباط بين “العلم” كقيمة إنسانية مشتركة، وبين “التوظيف الإمبريالي” له كأداة سيطرة.

















