
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
الهجرة ليست دائماً انتقالاً جغرافياً عبر الحدود، بل أخطر أنواعها هي تلك التي تحدث في الوعي. “الغربة النفسية” أو “الهجرة الذهنية” هي حالة يعيشها قطاع واسع من النخبة المثقفة في عالمنا، حيث يعيشون بأجسادهم في الشرق، وبمعاييرهم وأحلامهم ومرجعياتهم في الغرب. هذه الحالة ليست مجرد “تفضيل” لنمط حياة، بل هي أزمة هوية مركبة تعيق قدرة المثقف على فهم واقعه، وبالتالي تعيقه عن تغييره.
القابلية للاستعمار في ثوب حداثي
من منظور مالك بن نبي، يمكن اعتبار هذا الاغتراب شكلاً من أشكال “القابلية للاستعمار”. فالمثقف الذي يرى في ثقافته المحلية مجرد “فولكلور” أو “عائق أمام التقدم”، ويرى في النموذج الغربي “المعيار المطلق للإنسانية”، هو في الحقيقة يمارس دوراً وظيفياً يخدم الهيمنة الثقافية دون أن يدري. إنه لا ينقد مجتمعه لإصلاحه، بل ينقده ليتبرأ منه، وليثبت انتماءه للطرف الآخر (المتطور).
اللغة كأداة للعزل الشعوري
نلاحظ هذه الظاهرة بوضوح في الاستخدام المفرط للمصطلحات الأجنبية في غير موضعها، ليس كضرورة علمية، بل كحاجز نفسي يميز “النخبة” عن “العامة”. هذه اللغة تخلق طبقة عازلة، تجعل المثقف يعيش في برج عاجي، عاجزاً عن الاشتباك مع هموم الشارع الحقيقية.
المثقف العضوي هو الذي ينبت من تربة مجتمعه ليثمر فيها، أما المثقف المستلب فهو نبتة بلاستيكية لا جذور لها ولا ثمر.
وبالتالي، فإن علاج هذه الظاهرة يتطلب:
- تفكيك مركزية الغرب في الوعي: إدراك أن الغرب تجربة بشرية لها نجاحاتها وإخفاقاتها، وليس “نهاية التاريخ”.
- المصالحة مع الذات الحضارية: البحث عن مكامن القوة في التراث والقيم المحلية وتفعيلها بلغة العصر.
- التمييز بين “التحديث” و”التغريب”: فالتحديث هو امتلاك أدوات القوة، أما التغريب فهو استعارة هوية الآخر.

















