
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
الوفرة المادية والفقر المعنوي
نعيش اليوم مفارقة صارخة؛ فبينما وصل الإنسان إلى مستويات غير مسبوقة من الرفاهية المادية وتوفر الخدمات، نجد معدلات الاكتئاب والانتحار والشعور بالعبث تتصاعد بشكل جنوني، خاصة في أكثر الدول “سعادة” بمقاييس الرفاهية المادية. هنا، تحضرنا بقوة طروحات المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري حول “النموذج المادي” الذي وعد الإنسان بـ “فردوس أرضي” إذا ما تخلى عن الغيبيات والمطلقات.
لقد أوفى النموذج المادي بوعوده الاستهلاكية، لكنه فشل في الإجابة عن سؤال “المعنى”. تحول الإنسان في ظل “الحداثة السائلة” -بتعبير زيجمونت باومان- إلى كائن استهلاكي نهم، يلهث وراء اللذة اللحظية، محاولاً إسكات صراخ روحه بالمزيد من المقتنيات.
تفكيك الإنسان: من المركز إلى الهامش
يرى المسيري أن المادية لا تكتفي بإنكار الخالق، بل تنتهي حتماً بإنكار الإنسان نفسه. فعندما نُخضع كل شيء للمادة والحسابات الكمية:
- يتحول الحب إلى كيمياء وتفاعلات هرمونية.
- تتحول الأخلاق إلى عقود اجتماعية نفعية متغيرة.
- يفقد الإنسان “سره” ومركزيته في الكون، ليصبح مجرد “شيء” بين الأشياء.
القلق الوجودي المعاصر ليس مرضاً نفسياً يعالج بالعقاقير فحسب، بل هو “احتجاج الفطرة” على سجنها في قفص المادة الضيق.
إن الحل لا يكون بمزيد من الاستهلاك أو التقنية، بل باستعادة “البعد المتجاوز” للمادة. الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، ولا بالإنترنت وحده. الطمأنينة الحقيقية تتطلب توازناً بين “الطين” و”النفخة”، والاعتراف بأن هناك مساحات في النفس البشرية لا يملؤها إلا الاتصال بالمطلق، وبأن الدنيا -مهما تزينت- تظل وسيلة لا غاية.

















