
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
وهم “مدير نفسك” في عصر السيولة
تحت شعارات براقة مثل “كن سيد نفسك” و”اعمل من أي مكان”، تروج الرأسمالية الرقمية لنموذج العمل الحر (Freelancing) كقمة للتحرر من قيود الوظيفة التقليدية. ولكن، عند إخضاع هذه الظاهرة لمبضع التحليل الاجتماعي، نكتشف أننا أمام تحول بنيوي يعيد إنتاج علاقات السخرة ولكن بغلاف تقني أنيق.
إن الانتقال من “مجتمع الموظفين” إلى “مجتمع المستقلين” يمثل تفكيكاً لشبكات الأمان الاجتماعي التي ناضلت البشرية قروناً لانتزاعها. العامل الحر اليوم يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع السوق المتوحش، بلا تأمين صحي، بلا إجازات مدفوعة، وبلا حد أدنى للأجور. لقد نجحت المنصات الرقمية في خصخصة الأرباح وتعميم المخاطر؛ فالمخاطرة كلها تقع على عاتق الفرد، بينما المنصة تجني العمولة دون أن تتحمل مسؤولية “رب العمل”.
تذرير المجتمع وتشيؤ الإنسان
من منظور قيمي، يؤدي هذا النمط إلى “تذرير” المجتمع (Atomization)، حيث يتحول الأفراد إلى جزر منعزلة يتنافسون في مزاد عالمي مفتوح لبيع وقتهم ومهارتهم بأبخس الأثمان. تغيب الزمالة، وتتلاشى الروابط المهنية التي كانت تشكل حاضنة اجتماعية، ليحل محلها علاقة تعاقدية جافة ومؤقتة.
نحن لا نشهد تحرراً للعمل، بل نشهد عودة لنمط “الإقطاع”، حيث يملك “الإقطاعي الرقمي” (المنصة) الأرضية والخوارزمية، ويعمل “الأقنان الجدد” (المستقلون) بشروط تفرض عليهم ولا يملكون تغييرها.
وبالتالي، فإن الاحتفاء المبالغ به بريادة الأعمال الفردية والعمل الحر قد يكون غطاءً لانسحاب الدولة والمؤسسات الكبرى من مسؤولياتها الاجتماعية تجاه الأفراد، مما يترك الإنسان وحيداً عارياً أمام تقلبات السوق، مستهلكاً في سباق لا ينتهي من أجل البقاء، وهو ما يتنافى مع مفهوم “السكينة” والاستقرار النفسي الضروري لبناء الحضارة.

















