
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
نهاية “الحرمة” الشخصية
في عصر “رأسمالية المراقبة”، لم يعد القول المأثور “إذا كانت الخدمة مجانية، فأنت السلعة” دقيقاً بما يكفي. الحقيقة الأكثر رعباً هي أنك لست السلعة فحسب، بل أنت “المنجم” الذي تُستخرج منه المواد الخام (البيانات السلوكية) لتكريرها وبيعها في أسواق التنبؤات المستقبلية. هذا التحول يضرب في الصميم مفهوماً إنسانياً وإسلامياً أصيلاً وهو “الحرمة”؛ حرمة الحياة الخاصة وحق الإنسان في أن يختلي بنفسه بعيداً عن الأعين الراصدة.
من “تلبية الاحتياجات” إلى “هندسة السلوك”
الخطر الأخلاقي للبيانات الضخمة (Big Data) لا يكمن فقط في انتهاك الخصوصية، بل في القدرة على “سلب الإرادة الحرة”. الخوارزميات اليوم لا تكتفي بمعرفة ما تريد، بل تسعى لتحديد ما الذي “يجب” أن تريده غداً. من خلال تحليل الأنماط العصبية والنفسية، يتم توجيه المستهلك (والناخب) لا شعورياً نحو خيارات محددة مسبقاً، مما يحيل الإنسان إلى “روبوت بيولوجي” قابل للبرمجة. هذا هو قمة “التشييء” (Reification) حيث يفقد الإنسان جوهره المتعالي ويصبح مجرد رقم في معادلة خوارزمية.
نحن نشهد عصر “الوثنية الرقمية”، حيث يضع الإنسان ثقته المطلقة في “الخوارزمية” لتحدد له من يتزوج، وماذا يشتري، وكيف يفكر، متخلياً عن ميزته الكبرى: الاختيار والمسؤولية.
مقاومة العبودية الرقمية
من منظور حضاري قيمي، يجب أن نعيد طرح الأسئلة الوجودية حول التكنولوجيا:
- هل التطور التقني غاية في حد ذاته، أم وسيلة لرفاهية الإنسان؟
- من يملك الحق في “أرشيف حياتنا”؟
إن النضال القادم لن يكون من أجل الأرض أو الموارد فقط، بل من أجل “السيادة على الذات”. الوعي العربي والإسلامي مطالب ببلورة “فقه رقمي” جديد لا يكتفي بالأحكام الشرعية التقليدية، بل يغوص في فلسفة التقنية ليحمي “الروح الإنسانية” من أن تُطحن في تروس الآلة المادية العملاقة. إننا بحاجة إلى “أخلاقيات بيانات” تعيد الاعتبار للإنسان كـ “خليفة” مكرم، لا كـ “داتا” مستباحة.

















