
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
من “السياحة في الأرض” إلى “السياحة الاستهلاكية”
في المفهوم الفطري والحضاري الأصيل، كان السفر (السياحة) وسيلة للتأمل، والاعتبار، والتعارف بين الشعوب (لتعارفوا). كان الرحالة يجوب الآفاق ليبني ذاته ويفهم الآخر. أما اليوم، وفي ظل الحداثة السائلة، تحولت السياحة إلى صناعة رأسمالية ضخمة تقوم على “تسليع الأماكن” و”فلكلرة الشعوب”، حيث يزور السائح الغربي الشرق لا ليفهمه، بل ليلتقط صورة تؤكد تفوقه وتلبي نهمه الاستهلاكي.
ظاهرة “الفرجة” على الآخر
نشهد اليوم ما يمكن تسميته بـ “حدائق الحيوان البشرية” بصيغتها الحديثة؛ قرى سياحية معزولة، وسكان محليون يؤدون طقوساً فلكلورية مدفوعة الأجر لإمتاع السائح. هذا النمط يفرغ الثقافات من محتواها الروحي والقيمي، ويحولها إلى مجرد “ديكور” غريب (Exotic) يخدم “نظرة السائح” (The Tourist Gaze). بالتالي، لا يحدث تواصل إنساني حقيقي، بل علاقة قوية (السائح/المالك) بضعيف (المضيف/المملوك).
“السائح الحديث لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن تأكيد الصور النمطية التي في ذهنه. إنه يريد المغامرة ولكن بضمانات الراحة الكاملة، ويريد الالتقاء بالآخر بشرط ألا يتغير هو.”
نحو سياحة “ما بعد المادية”
إن الخطورة تكمن في أن الدول المستضيفة تبدأ في تشكيل هويتها بناءً على رغبات السائح، فتفقد أصالتها تدريجياً. الحل يكمن في استعادة مفهوم “السفر القيمي”؛ السفر الذي يحترم خصوصية المكان، ويسعى للتعلم لا للاستهلاك. نحتاج إلى سياحة تفكك المركزية الغربية ولا تكرسها، سياحة ترينا المشترك الإنساني بدلاً من البحث عن الغرائبية المفتعلة. إن الأرض ليست “منتجعاً” كبيراً، بل هي آيات للسائرين، وفضاء للاختبار والمسؤولية.

















