
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
ساد في الأوساط الأكاديمية الغربية، ومن تبعها من نخبنا المستلبة، سردية تاريخية مختزلة تقفز مباشرة من “المعجزة اليونانية” القديمة إلى “عصر النهضة” الأوروبي، متجاهلة بوعي تام قروناً طويلة من التراكم المعرفي الذي أنجزته الحضارات الشرقية، وعلى رأسها الحضارة الإسلامية. هذه الفجوة المصطنعة، أو ما يُطلق عليه زوراً “العصور المظلمة”، لم تكن مظلمة إلا في أوروبا، بينما كانت بغداد وقرطبة وسمرقند تضج بالنور الذي أضاء لاحقاً عقل “غاليليو” و”نيوتن”.
سرقة النار: التعتيم المنهجي على المصادر
من منظور حضاري، لم يكن عصر التنوير انقطاعاً مفاجئاً، بل كان لحظة “قطاف” لثمار زُرعت بذورها في الشرق. إن المنهج التجريبي (Empiricism) الذي يُنسب عادة لفرنسيس بيكون، هو في جوهره امتداد لمنهجية ابن الهيثم الصارمة في البصريات. وبالتالي، فإن عملية “تأميم التاريخ” التي مارسها فلاسفة التنوير لم تكن بريئة، بل كانت تهدف إلى تأسيس مركزية غربية ترى في الرجل الأبيض المنتج الوحيد للمعرفة العقلانية، بينما يُنظر للآخر الشرقي كمجرد “ناقل” أو “شارح” للتراث اليوناني.
وفي تفكيكنا لهذه الظاهرة، نجد أن إنكار فضل الحضارات السابقة ليس مجرد جحود علمي، بل هو أداة هيمنة (Hegemony). فبتجريد الشعوب من تاريخها العلمي، يتم ترسيخ عقدة الدونية النفسية لديها، مما يسهل استتباعها حضارياً. إن استعادة هذا التاريخ ليست “بكائيات” على الأطلال، بل هي ضرورة لتصحيح مسار العلم العالمي وإعادته لسياقه التراكمي الإنساني، بدلاً من سياقه الاستعماري الإقصائي.
“التاريخ لا يعرف القفزات المفاجئة؛ وما يبدو كمعجزة أوروبية منقطعة النظير، هو في حقيقته إعادة إنتاج لعلوم جرى تغييب مصادرها عمداً لخدمة سردية المركزية الغربية.”

















