
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
تواجه الحضارة الحديثة مفارقة صارخة تقف أمامها الأرقام والإحصائيات عاجزة عن التفسير التقليدي؛ ففي الوقت الذي حققت فيه دول “الرفاه الاجتماعي” (Welfare States) في شمال أوروبا وشرق آسيا أعلى معدلات الدخل الفردي، وأرقى مستويات الرعاية الصحية، وشبكات الأمان الاجتماعي، نجدها تسجل بالتوازي معدلات انتحار واكتئاب هي الأعلى عالمياً. إن هذه الظاهرة ليست مجرد خلل نفسي فردي، بل هي عرض لمرض حضاري عميق يضرب في جذر “النموذج المادي” الذي وعد الإنسان بالفردوس الأرضي، ومنحه “الأشياء” وسلب منه “المعنى”.
الإنسان: من “الكرم الإلهي” إلى “الوظيفة المادية”
في تفكيكنا لهذه الظاهرة من منظور حضاري، نجد أن الحداثة الغربية (بشقيها الليبرالي والاشتراكي) قامت على اختزال الإنسان في بُعده المادي/البيولوجي. لقد تم تعريف السعادة بوصفها “تلبية الاحتياجات الحسية” وتراكم المقتنيات. وبالتالي، تحول الإنسان من “كائن رباني” مركب يحمل نفخة الروح، إلى “وحدة إنتاجية/استهلاكية” يتم قياس قيمتها بمدى كفاءتها الوظيفية وقدرتها الشرائية.
وهنا تكمن الكارثة؛ فعندما يتم إشباع الجسد وتأمين المستقبل المادي، يستيقظ “الجوع الروحي” الذي لا تسده العملات ولا البضائع. إن الفطرة الإنسانية (Human Nature) مصممة بحيث لا تطمئن إلا بالاتصال بالمطلق (المتعالي)، وحينما يتم حبس هذه الفطرة في قفص “النسبية” و”السيولة” (Liquid Modernity) حيث لا قيم ثابتة ولا حقائق مطلقة، يدخل الإنسان في نفق العدمية. وكما يشير المفكر عبد الوهاب المسيري، فإن “تأليه الإنسان” انتهى مفارقةً إلى “تأليه المادة” وسحق الإنسان ذاته تحت عجلات السوق.
رعب الفراغ في المجتمعات السائلة
تشير الإحصائيات إلى أن دولاً مثل كوريا الجنوبية (التي حققت معجزة اقتصادية) تسجل معدلات انتحار تصل إلى 25.2 حالة لكل 100 ألف نسمة، وهي ضعف المعدل العالمي. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو صرخة احتجاج صامتة ضد نمط حياة حول الإنسان إلى ترس في آلة ضخمة. ومن وجهة نظر تحليلية، فإن غياب “السرديات الكبرى” (Grand Narratives) – أي الدين، الأسرة الممتدة، والانتماء للجماعة – ترك الفرد وحيداً في مواجهة وحشية الوجود.
“إن الرفاه المادي ليس حلاً لمأساة الوجود الإنساني، بل هو في كثير من الأحيان مجرد ‘مخدر’ مؤقت. وحين يزول أثر المخدر، يجد الإنسان نفسه أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟”
استعادة التوازن: الحل في الرؤية المركبة
إن الحل لا يكمن في رفض التطور المادي أو العودة للبدائية، بل في “فك الارتباط” بين مفهوم التقدم ومفهوم السعادة المادية الحصرية. وعليه فإن البديل الحضاري الذي نطرحه لا بد أن يعيد الاعتبار للإنسان ككائن “متجاوز للمادة” (Transcendental). إن المجتمعات التي تحافظ على تماسكها الأسري، وتؤمن بوجود “غاية” من الوجود تتجاوز الاستهلاك، هي الأقدر على مقاومة طوفان الاكتئاب المعاصر. إننا بحاجة إلى الانتقال من “حضارة الأشياء” التي تراكم الوسائل وتنسى الغايات، إلى “حضارة الأفكار” التي تعيد للإنسان كرامته المستمدة من تكريمه الإلهي، لا من رصيده البنكي.















