
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
لم يعد الحديث عن “الغزو الثقافي” في عصرنا الراهن ترفاً فكرياً أو مبالغة في نظرية المؤامرة، بل تحول إلى واقع بنيوي يمكن رصده عبر آليات عمل منصات البث الرقمي العالمية (مثل Netflix وDisney+). إننا أمام مرحلة متقدمة مما يمكن تسميته بـ”الاستعمار الإدراكي”، حيث لم تعد المعركة تدور حول احتلال الأرض، بل حول احتلال “المخيال”. ومن منظور حضاري، فإن الخطورة لا تكمن في “الترفيه” بحد ذاته، بل في “الحمولة المعرفية” التي يتم تمريرها خلسةً خلف المشاهد البصرية المبهرة، والتي تهدف إلى تفكيك الثوابت الأخلاقية وإعادة صياغة تعريف الإنسان.
من “نقل الواقع” إلى “صناعة الواقع البديل”
في تفكيكنا للظاهرة، نجد أن هذه المنصات لم تعد تكتفي بعكس الواقع الغربي كما هو، بل تحولت إلى أدوات لترويج “أيديولوجيا الحداثة السائلة” (Liquid Modernity). تقوم هذه الأيديولوجيا على نسف كل ما هو ثابت ومقدس (الأسرة، الدين، الهوية الجنسية) لصالح “فردانية متطرفة” تؤله رغبات الإنسان الآنيّة. وبالتالي، نجد إصراراً ممنهجاً -يصل حد الفجاجة الفنية- على حشر أجندات محددة، مثل التطبيع مع الشذوذ الجنسي، وتفكيك مفهوم الأسرة التقليدية، ليس بوصفها حالات درامية، بل كـ”معايير جديدة” (New Normals) يجب على العالم قبولها كدليل على التحضر.
آليات “الهندسة العكسية” للفطرة
تعتمد هذه المنصات على تقنية نفسية دقيقة تعرف بـ”إزالة التحسس التدريجي” (Systematic Desensitization). فمن خلال الإغراق المستمر للمشاهد بصور ونماذج كانت تعتبر “منحرفة” أو “شاذة” عن الفطرة السليمة، يتم ترحيل هذه النماذج ببطء من دائرة “المرفوض” إلى دائرة “المقبول”، ثم أخيراً إلى دائرة “المحتفى به”.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن هذه العملية تستهدف بشكل خاص “مناعة الطفل” و”وعي المراهق”، حيث يتم تقديم القيم المنحلة مغلفة بقيم إنسانية سامية مثل “الحب” و”التسامح” و”حرية الاختيار”. هنا تكمن الخديعة الكبرى: استخدام مصطلحاتنا الإنسانية المشتركة لتمرير مضامين تتناقض مع جوهر الوجود الإنساني المتزن.
“إن أخطر ما في هذه المنصات ليس المشاهد الإباحية المباشرة التي قد ينفر منها الذوق العام، بل هو تلك الرسائل المبطنة التي تعيد تعريف (الخير) و(الشر) في عقل المتلقي، بحيث يصبح التمسك بالفطرة (تخلفاً)، والتمرد عليها (حرية).”
المواجهة: من المقاطعة إلى “الإنتاج البديل”
إن الاكتفاء بخطاب “التحريم” أو “المنع” لم يعد مجدياً في فضاء مفتوح لا يعترف بالحدود. وعليه فإن الاستجابة الحضارية لهذا التحدي تتطلب الانتقال من مربع “المستهلك المنفعل” إلى مربع “المنتج الفاعل”. نحن بحاجة إلى تقديم سردية بديلة (Alternative Narrative) تمتلك جودة فنية عالية، وتنطلق من رؤية تعلي من شأن الإنسان المكرّم، والأسرة المتماسكة، والعدالة الاجتماعية. إن المعركة اليوم هي معركة “الصورة بالصورة”، والفكرة بالفكرة؛ فالفراغ الذي لا تملؤه بقيمك الأصيلة، سيملؤه الآخرون حتماً بقيمهم السائلة.















