
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
لا يمكن النظر إلى المناهج الدراسية باعتبارها مجرد أوعية محايدة لنقل المعلومات العلمية أو الحقائق التاريخية؛ بل هي في جوهرها “هندسة اجتماعية” وإعادة صياغة للعقل الجمعي للأمم. في عصر السيولة القيمية، تحولت المدارس من مؤسسات للتربية والتعليم إلى ساحات صراع صامتة، تهدف إلى تحديد هوية “إنسان المستقبل”. والسؤال المحوري هنا ليس “ماذا يدرس أبناؤنا؟” بل “أي نموذج للإنسان تريد هذه المناهج إنتاجه؟”.
المنهج الخفي: استعمار العقول بلا جيوش
في علم الاجتماع التربوي، يُشار غالباً إلى مفهوم “المنهج الخفي” (Hidden Curriculum)، وهو مجموع القيم والمعايير التي يتم تمريرها للطلاب دون أن تكون مكتوبة صراحة في الكتب. ومن منظور حضاري، نجد أن كثيراً من الأنظمة التعليمية المستوردة أو المتأثرة بالمركزية الغربية، تعمل على ترسيخ قيم “الفردانية المفرطة” و”النسبية الأخلاقية” على حساب قيم الجماعة والمسؤولية والفطرة الإنسانية.
“التعليم الذي لا ينبع من رؤية حضارية مستقلة، هو مجرد عملية إنتاج لموظفين يدورون في تروس النظام العالمي، منفصلين عن جذورهم وهويتهم.”
تفكيك النماذج المعرفية في المناهج
عند تحليل المحتوى الدراسي، نلاحظ هيمنة الرؤية المادية للعالم، حيث يتم تفسير الظواهر الإنسانية والكونية بمعزل عن أي بعد غيبي أو قيمي متعالٍ:
- التاريخ: يُقدم غالباً من وجهة نظر المنتصر (الرجل الأبيض)، مما يخلق حالة من الدونية الحضارية لدى الطالب العربي والمسلم.
- العلوم الإنسانية: تُدرّس النظريات النفسية والاجتماعية الغربية كحقائق مطلقة، متجاهلة الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمعات الشرقية.
- اللغة: تراجع الاهتمام باللغة الأم ليس مجرد ضعف لغوي، بل هو قطع للحبل السري الذي يربط الطالب بذاكرته الحضارية.
نحو استقلال تربوي: العودة إلى الفطرة
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في حشو الأدمغة بالمعلومات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في ثوانٍ، بل في بناء “المناعة الفكرية”. نحن بحاجة إلى مناهج تستعيد مفهوم “الإنسان المستخلف” لا “الإنسان المستهلك”. وبالتالي، فإن استرداد السيادة يبدأ من استرداد المنهج، بحيث يكون التعليم أداة لتعزيز الفطرة السليمة، وبناء عقل ناقد قادر على التمييز بين النافع والضار، وليس مجرد عقل “قابل للاستعمار” يتقبل كل ما يأتيه من الضفة الأخرى بانبهار واستسلام.
















