
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
منذ أن خط ابن خلدون نظرياته في المقدمة، أدركنا أن الإنسان ليس كائناً مجرداً، بل هو “ابن بيئته”. العلاقة بين المناخ والشخصية الحضارية ليست علاقة هامشية، بل هي علاقة تأسيسية تشكل الأمزجة، وتحدد نمط الإنتاج، بل وتؤثر في بنية التدين والأخلاق. وفي ظل التغير المناخي الحالي، لا بد من إعادة قراءة أثر البيئة لا كخطر فيزيائي فحسب، بل كمغير للنفسية البشرية.
بين قسوة الصحراء ورفاهية المروج
تشير الدراسات التاريخية والاجتماعية إلى تباين واضح في الشخصية التي تصوغها البيئات المختلفة:
- بيئة التحدي (الصحراء/الجبال): تفرض على سكانها نمطاً من “التضامن العصبوي” الضروري للبقاء، وتولد قيماً كالفروسية، والنجدة، والصبر، والصفاء الذهني (وهي مهبط الرسالات غالباً).
- بيئة الوفرة (الأنهار/المناطق المعتدلة): قد تؤدي للاستقرار وبناء المدن، لكنها قد تورث أيضاً نوعاً من الدعة، والخضوع للسلطة المركزية (الدولة الفرعونية نموذجاً)، والانغماس في الترف.
اغتراب إنسان “العلب الاسمنتية”
المشكلة الكبرى في العصر الحديث ليست فقط في التغير المناخي، بل في انفصال الإنسان عن الطبيعة. لقد استبدل الإنسان الحديث إيقاع الفطرة والكون بإيقاع الآلة والساعة الرقمية. هذا الانفصال أدى إلى ما يمكن تسميته “التشوه النفسي للمدن الحديثة”، حيث يعيش الإنسان في “علب اسمنتية” مكيفة، لا يرى الشمس ولا يلمس التراب.
“فقدان الاتصال بالطبيعة هو فقدان لجزء من إنسانيتنا. فالكون كتاب الله المنظور، والانعزال عنه يورث قسوة في القلب وجفافاً في الروح.”
البيئة كعامل في النهوض والسقوط
ومن منظور حضاري، فإن التغيرات المناخية القادمة ستعيد رسم الخارطة الجيوسياسية. الأمم التي حافظت على قدر من الخشونة والقدرة على التكيف (بقايا الفطرة) قد تكون أقدر على الصمود من المجتمعات المترفة التي تعتمد كلياً على التكنولوجيا والرفاهية المصطنعة. العودة لاحترام قوانين البيئة ليست “موضة خضراء” بل هي عودة للتناغم مع سنن الله في الكون.
















