
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
من التقسيم الجغرافي إلى التشظي الهوياتي
لم تكن اتفاقية “سايكس بيكو” في جوهرها مجرد خطوط رُسمت على الرمال لتوزيع تركة الإمبراطورية العثمانية، بل كانت تأسيساً بنيوياً لـ “الدولة الوطنية” المشوهة في المجال الحضاري العربي الإسلامي. واليوم، وفي ظل السيولة الجيوسياسية التي تضرب المنطقة، لم يعد التحدي مقتصراً على الحفاظ على تلك الحدود الكولونيالية، بل تجاوزها إلى هندسة تفكيك داخلي أعمق. . إننا نشهد تحولاً استراتيجياً من تقسيم الجغرافيا إلى تفتيت الديموغرافيا، حيث يُعاد رسم الخرائط، ليس بالمسطرة والقلم، بل بخطوط الدم ومسارات التهجير العرقي والطائفي.
إدارة التوحش ووهم الاستقرار
ومن منظور حضاري، فإن القوى الكبرى والإقليمية لا تبحث عن الاستقرار في منطقتنا بقدر ما تدير حالة من “اللااستقرار المستدام”. يتم توظيف التنوع العرقي والمذهبي—الذي كان لقرون خلت مصدر ثراء داخل الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى—كأداة تفجير داخلي. إن تفكيكنا للظاهرة يكشف أن النظام العالمي الراهن يستبدل الديكتاتوريات المركزية بـ “كانتونات” متناحرة، مما يضمن تبعية أبدية للمركز الغربي المهيمن.
“إن تفكيك الأوطان على أسس طائفية هو التتويج النهائي للمشروع الاستعماري؛ حيث يتحول الضحايا إلى حراس لزنازينهم الهوياتية الضيقة.”
وبالتالي، فإن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكون بالتشبث الأعمى بحدود “سايكس بيكو” الأولى، ولا بالاستسلام لـ “سايكس بيكو” الثانية (الطائفية)، بل ببلورة مشروع اندماجي إقليمي يستلهم قيم التسامح والعدالة التاريخية، ويستند إلى إرادة مستقلة تتجاوز العصبيات الضيقة نحو أفق حضاري جامع.

















