
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
ما وراء “الراتب”: البحث عن المعنى
في قراءتنا لظاهرة هجرة العقول العربية، نخطئ كثيراً حين نحصر الأزمة في البعد الاقتصادي أو “سلم الرواتب”. إن الإنسان، وخاصة المبدع، ليس مجرد “كائن اقتصادي” (Homo Economicus) يتحرك وفق معادلات الربح والخسارة المادية فحسب، بل هو كائن حضاري يبحث عن “وسط حيوي” يمنح لإنتاجه معنىً ولقدراته تأثيراً. إن فشل الدول العربية في الحفاظ على علمائها ليس مجرد فشل إداري، بل هو عرض لمرض أعمق يتمثل في غياب “المشروع الوطني” الذي يشعر فيه الفرد بأن عقله جزء من تروس نهضة كبرى.
معادلة “القابلية للاستعمار” والعجز عن التوطين
من منظور مالك بن نبي، يمكننا القول إن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد، بل في “العجز عن توجيه الثقافة” نحو الإنتاج. العالم العربي اليوم يمارس ما يمكن تسميته بـ “الاستهلاك المعرفي”، حيث نستورد المنتجات التقنية ونصدر صانعيها. هذه المفارقة تكشف عن خلل في البنية الاجتماعية التي تحولت إلى بيئة طاردة للكفاءات، أو ما يمكن وصفه بـ “الوسط الخامل” الذي يقتل بذور الإبداع:
- غياب التقدير المعنوي: العالم في الغرب يُعامل كـ “رأسمال استراتيجي”، بينما يُعامل في أوطاننا غالباً كـ “موظف بيروقراطي” مقيد باللوائح.
- بيئة الحرية الفكرية: الإبداع العلمي قرين الحرية؛ وحين يُحاصر العقل بخطوط حمراء سياسية أو اجتماعية مصطنعة، يختار الرحيل بحثاً عن “الأوكسجين”.
- عقدة الخواجة المؤسسية: المؤسسات العربية غالباً ما تثق في الخبرة الأجنبية أكثر من ثقتها في “المنتج المحلي”، مما يولد شعوراً عميقاً بالاغتراب لدى العالم الوطني.
إن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي انسحاب نفسي من مجتمع لم يعد يوفر “الأمن الوجودي” لمفكريه، ليلتحقوا بمجتمعات تمنحهم القيمة، حتى لو سلبتهم الهوية.
نحو حاضنة حضارية بديلة
إن الحل لا يكمن في استجداء العلماء للعودة عبر الشعارات العاطفية، بل في بناء “كتلة حرجة” من المؤسسات المستقلة التي تؤمن بأن الاستثمار في “الإنسان” هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر. نحتاج إلى الانتقال من منطق “الدولة التي تمنح الوظائف” إلى منطق “الأمة التي تمنح الرسالة”. فالعالم العربي لن يستعيد عقوله المهاجرة إلا إذا تحول من “سوق استهلاكية” إلى “ورشة حضارية”؛ حينها فقط، سيجد العقل العربي أن لذة البناء في الوطن تفوق رفاهية العيش في المهجر.

















