
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
الدين في خدمة الجغرافيا السياسية
لا يمكن فهم خارطة الصراع الطائفي الذي يمزق الشرق الأوسط اليوم دون العودة إلى القرن السادس عشر، وتحديداً لحظة التشكل الإمبراطوري المتزامن للدولتين الصفوية والعثمانية. إن الخطأ المنهجي الذي يقع فيه الكثيرون هو قراءة هذا الصراع من منظور “لاهوتي” بحت، بينما الحقيقة التاريخية تشير إلى أن المذهب كان بمثابة “الأيديولوجيا المؤسسة للدولة” (State Ideology). لقد احتاج الشاه إسماعيل الصفوي إلى هوية مذهبية مغايرة ومصادمة ليصنع “حدوداً نفسية” تفصل الهضبة الإيرانية عن المحيط السني الواسع، مما يحول دون ذوبانها في الكيان العثماني الأكبر.
معركة “جالديران” المستمرة
إن الحدود التي رُسمت بالدم في معركة جالديران (1514م) لم تكن حدوداً جغرافية فحسب، بل تحولت إلى “جدران عازلة” في الوعي الجمعي للمنطقة. لقد تحول الإسلام في تلك الحقبة من “رسالة عالمية” جامعة، إلى “هويات قومية” متصارعة؛ حيث تماهى التشيع مع القومية الفارسية الصاعدة، وتماهى التسنن مع الشرعية السلطانية العثمانية. هذا التوظيف السياسي للمقدس أدى إلى ما يسميه المؤرخون بـ “عسكرة المذاهب”، حيث أصبح الانتماء المذهبي تصنيفاً أمنياً قبل أن يكون اختياراً فقهياً.
- صناعة الآخر: اعتمدت كلتا الإمبراطوريتين على شيطنة الآخر لتعزيز التماسك الداخلي.
- الولاء العابر للحدود: استخدام الأقليات المذهبية كـ “أوراق ضغط” داخل أراضي الخصم، وهي استراتيجية لا تزال فاعلة حتى اليوم.
نحن لا نعيش اليوم صراعاً فقهياً حول أحقية الخلافة، بل نعيش صراع نفوذ إمبراطوري يستخدم مفردات الماضي لتبرير أطماع الحاضر.
الخروج من فخ التاريخ
إن استدعاء هذه الذاكرة الصراعية اليوم لا يخدم إلا القوى التي تريد إبقاء المنطقة في حالة “سيولة مدمرة”. الوعي الحضاري يتطلب منا تفكيك هذا الإرث، والتمييز بين “الإسلام كدين وتوحيد” وبين “التدين الإمبراطوري” الذي يخضع لمنطق السلطة والغلبة. الحل لا يكمن في تغليب سردية على أخرى، بل في إدراك أن مصالح شعوب المنطقة تقتضي تجاوز “متاريس القرن السادس عشر” لبناء تكتل حضاري يستوعب التنوع ولا يحوله إلى قنابل موقوتة، فالخطر الحقيقي القادم من الخارج لا يميز بين عمامة بيضاء وأخرى سوداء.

















