
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
اللغة كـ “بيت للكينونة” لا مجرد أداة تواصل
من السذاجة اختزال اللغة في كونها مجرد “وسيلة للتفاهم” أو نقل المعلومات. اللغة، كما يقرر فلاسفة اللسانيات وعلماء الاجتماع من ابن خلدون إلى هايدغر، هي “وعاء الفكر” والنظارة التي نرى من خلالها العالم. عندما يفقد الإنسان لغته الأم، أو يزدريها لصالح لغة “الغالب” (الفرنكوفونية أو الأنجلوسكسونية)، فإنه لا يغير قاموسه فحسب، بل يغير “بنيته العقلية” وهندسة خياله. التبعية اللغوية هي الشكل الأعمق والأخطر للاستعمار، لأنها استعمار للسان والذاكرة.
وهم “العالمية” وسيكولوجية المغلوب
يربط ابن خلدون ببراعة بين “الولع بتقليد الغالب” وبين الهزيمة النفسية. في دولنا العربية، وخاصة في المغرب العربي، يُنظر للفرنسية (وفي المشرق للإنجليزية) كعلامة على الرقي الاجتماعي والطبقي، بينما تُحشر العربية في زاوية “التراث” أو “الدين”. هذا الانفصام يخلق “شخصية مهتزة” عاجزة عن الإبداع الأصيل. التاريخ يخبرنا أنه لم تنهض أمة قط بغير لسانها؛ فاليابان وكوريا والصين وألمانيا بنت نهضتها بترجمة العلوم إلى لغاتها، لا باستبدال لغاتها بلغات الآخرين.
- الإبداع واللغة: الإبداع الحقيقي ينبع من الوجدان، والوجدان لا يتشكل إلا باللغة الأم. الكتابة بلغة أجنبية تجعلك دائماً “مترجماً” لأفكارك، مما يفقدها حرارتها وعمقها.
- الفصل العنصري اللغوي: تكريس اللغات الأجنبية في التعليم والإدارة يخلق فجوة طبقية بين “نخبة مفرنجة” تملك المفاتيح، و”عامة معربة” مهمشة.
من يفكر بلسان غيره، سيحلم حتماً بأحلام غيره، وينتهي به المطاف خادماً لمشروع غيره.
التحرر اللغوي شرط للنهضة
الدفاع عن اللغة العربية ليس تعصباً شوفينياً أو انغلاقاً على الذات، بل هو شرط وجودي لاستعادة “السيادة المعرفية”. لا يمكن توطين العلوم والتكنولوجيا إلا إذا صارت جزءاً من النسيج اللغوي اليومي للمجتمع. التحدي اليوم هو تحرير العربية من جمود “المجامع” ومن استعلاء “المتفرنجين”، لتعود لغة للحياة والعلم والسوق، لا لغة للمساجد والمعلقات فقط. إن استقلال اللسان هو المقدمة الضرورية لاستقلال القرار.

















