
موجز إعلام بلس (AI Voice)
اضغط للاستماع إلى النشرة بصوت المذيع الآلي
سقوط “السلطة الرمزية” للأب
يشهد العصر الحديث تحولاً جذرياً في بنية الأسرة، يتمثل أخطر ملامحه في تآكل صورة الأب كـ “رمز للقانون” ومرجع للقيم. تحت ضغط الثقافة الليبرالية الاستهلاكية ونظريات التربية الحديثة التي تقدس “الفردانية”، تم دفع الأب للتخلي عن دوره الفطري كحارس للحدود (Boundaries)، ليتقمص دور “الصديق” الذي يخشى أن يغضب أبناءه. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل هو انسحاب من الوظيفة التربوية الوجودية التي تضبط إيقاع الأسرة.
في التحليل النفسي والاجتماعي العميق، يمثل الأب (أو الوظيفة الأبوية) الركن الثالث الذي يكسر الانصهار العاطفي بين الأم والطفل، مما يسمح للطفل بالانفتاح على العالم الخارجي والواقع. حينما يغيب هذا “القانون الأبوي”، ينشأ جيل يعاني من “هشاشة نرجسية”، جيل لا يعرف معنى الرفض، ولا يدرك حدود رغباته، ويعيش في حالة من القلق الدائم لغياب المرجعية الصلبة التي يستند إليها.
الصداقة الهشة ووباء القلق
إن الدعوة المفرطة لتحويل الأبوة إلى صداقة تُفقد الطفل شعوره بالأمان. الطفل بحاجة إلى أب قوي، عادل، وحازم، يستطيع أن يقول “لا” حينما يجب، ليحميه من نزواته ومن فوضى العالم. الصديق يمكن استبداله، لكن الأب لا يُستبدل. عندما يتحول الأب إلى مجرد “ممول” لرغبات الاستهلاك أو “شريك” في اللعب دون سلطة توجيهية، فإنه يترك ابنه وحيداً في مواجهة تعقيدات الحياة السائلة.
“الأبوة ليست استبداداً، بل هي ‘وظيفة هيكلية’. الطفل الذي لا يجد أمامه جداراً من ‘لا’ الأبوية، سيظل يركض في فراغ الرغبات حتى يرتطم بقسوة الواقع بلا درع.”
- فقدان المعيارية: غياب الأب السلطوي (بالمعنى الرحيم) يؤدي إلى ضياع بوصلة الصواب والخطأ.
- السيولة القيمية: يصبح كل شيء مباحاً وقابلاً للتفاوض، مما يُضعف الشخصية.
- الخوف من المسؤولية: ينشأ جيل يرفض النضج، مفضلاً البقاء في شرنقة الطفولة الأبدية (متلازمة بيتر بان).
ومن منظور حضاري وفطري، فإن استعادة هيبة “الأبوة” ليست دعوة للقسوة أو التسلط القديم، بل هي ضرورة لاستعادة التوازن النفسي للمجتمع. نحن بحاجة إلى آباء يملكون الشجاعة ليكونوا “آباء” لا “ندماء”، يورثون أبناءهم صلابة الموقف وجدية الحياة، لا فقط ألعاب الفيديو والحسابات البنكية.

















